الصحة والحياة

مقتل مسعف في كفررمان وكلفة صحية أوسع للمدنيين في جنوب لبنان

 The Verificat + وكالات

حين تصبح سيارة الإسعاف جزءاً من الحصيلة

لا تنتهي ضربة جوية بسقوط آخر صاروخ، ولا تختصر آثارها في عدد القتلى والجرحى الذي يظهر في البيان الأول. في جنوب لبنان، حيث تتكرر الغارات وتتداخل الأحياء السكنية مع الطرق التي تستخدمها فرق الإنقاذ، تتحول كل ضربة كبيرة إلى اختبار متزامن للمستشفيات وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية والعائلات التي تبحث عن طريق آمن إلى العلاج.

كفررمان قدمت مثالاً مباشراً على هذه المعادلة.

ففي السابع من سبتمبر، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية في حصيلة أولية أن غارة على منزل في البلدة قتلت ثمانية أشخاص، بينهم طفل وسيدتان، وأصابت 11 آخرين بينهم أربعة أطفال ومسعف، فيما أدت غارة أخرى استهدفت سيارة في البلدة إلى مقتل مسعف في كشافة الرسالة وإصابة اثنين من زملائه.

وفي تحديثات لاحقة نقلتها رويترز، ارتفعت الحصيلة الإجمالية لضربات كفررمان إلى 12 قتيلاً على الأقل، بينهم طفلان، مع تأكيد مقتل مسعف في الضربة المنفصلة.

هذا الاختلاف بين الحصيلة الأولية واللاحقة طبيعي في الساعات التي تلي عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا، لكنه يوضح أيضاً لماذا لا ينبغي التعامل مع الرقم الأول باعتباره نهائياً.

الإصابة الأولى مرئية… أما البقية فتمتد لأيام وشهور

عند موقع القصف، تكون الأولوية للنزيف والحروق وإصابات الرأس والكسور والجروح الناتجة عن الشظايا وانهيار المباني.

لكن هذه ليست سوى الطبقة الأولى من العبء الصحي.

وراء سيارات الإسعاف تبدأ سلسلة أخرى: غرف طوارئ تستقبل المصابين دفعة واحدة، غرف عمليات تحتاج إلى الدم والتخدير والأدوية، أسرّة يجب توفيرها، أشعة وفحوص، ثم علاج وتأهيل قد يمتدان شهوراً.

وفي نظام صحي يعمل أصلاً تحت ضغط كبير، يمكن لحادثة واحدة تضم عدداً كبيراً من الإصابات أن تستنزف سريعاً القدرات المتوافرة في مستشفى محلي.

منظمة الصحة العالمية تصف النظام الصحي اللبناني بأنه يعمل تحت ضغط شديد نتيجة تراكم الأزمات الاقتصادية والنزوح والنزاعات، مع نقص في الموارد والكوادر وإغلاق أو تضرر منشآت صحية خلال جولات القتال.

لذلك فإن السؤال بعد أي غارة لا يقتصر على: كم شخصاً أُصيب؟

بل أيضاً: أين سيُعالج؟ ومن سينقله؟ وهل الطريق إلى المستشفى آمن؟

مقتل المسعف يضرب أكثر من شخص واحد

مقتل مسعف لا يعني فقدان فرد من فريق إسعافي فقط.

المسعف هو حلقة متقدمة في سلسلة النجاة: يصل إلى المصاب، يوقف النزيف، يثبت مجرى التنفس، يقرر أولوية الإخلاء، وينقل المريض إلى المكان القادر على استكمال العلاج.

وعندما يُقتل أحد أفراد هذه المنظومة أو تُصاب سيارة إسعاف، تتراجع قدرة النظام على الوصول إلى المصاب التالي.

وهذا ليس افتراضاً نظرياً في لبنان.

فمنظمة الصحة العالمية وثقت خلال التصعيد الحالي سلسلة من الاعتداءات التي أثرت في المنشآت الصحية والعاملين والنقل الطبي. وفي تقرير للطوارئ نشر قبل نحو ثلاثة أشهر، قالت المنظمة إن نظام مراقبة الهجمات على الرعاية الصحية سجل، منذ 2 مارس 2026 وحتى تاريخ التقرير، 123 وفاة و273 إصابة مرتبطة بهجمات على الرعاية الصحية، وإن هجمات استمرت حتى بعد وقف إطلاق النار، وأسفرت خلال تلك الفترة عن مقتل عاملين صحيين ومسعفين وإصابة آخرين وتضرر مراكز وسيارات إنقاذ.

التقرير نفسه أشار إلى حوادث محددة في النبطية والجنوب، بينها استهداف مركز إسعافي في حاروف أدى إلى مقتل ثلاثة مسعفين، واستهداف مركز آخر في حناويه أدى إلى مقتل أربعة مسعفين، إضافة إلى أضرار أصابت مستشفيات ومركبات إنقاذ.

هذه الأرقام تضع مقتل مسعف كفررمان داخل سياق أوسع: القطاع الصحي نفسه أصبح يتعرض للاستنزاف بالتوازي مع ازدياد حاجة السكان إليه.

الدقيقة التي يتردد فيها المسعف قد تكون حاسمة

عمل فرق الطوارئ في مناطق القصف يقوم على معادلة صعبة.

الوصول بسرعة قد ينقذ مصاباً ينزف.

لكن دخول منطقة لا تزال معرضة لضربة جديدة قد يضيف مسعفين آخرين إلى قائمة الضحايا.

ومنظمة الصحة العالمية سبق أن حذرت من أن تعرض سيارات الإسعاف والطواقم للنيران يعرقل قدرتها على الوصول إلى الجرحى وتنفيذ عمليات الإخلاء المنقذة للحياة، بما يقلل فرص النجاة للمصابين.

لهذا لا تقاس كفاءة الاستجابة الطبية بعدد سيارات الإسعاف وحده، بل بقدرتها على الحركة فعلياً.

سيارة مجهزة لا تستطيع دخول القرية ليست قدرة طبية متاحة.

ومستشفى يملك غرفة عمليات لكنه معزول عن المرضى بسبب الطرق غير الآمنة لا يستطيع أداء وظيفته كاملة.

المستشفى نفسه لم يعد دائماً منطقة خلفية آمنة

في الحروب التقليدية، يُفترض أن ينتقل المصاب من منطقة الخطر إلى المستشفى، أي من الجبهة إلى مساحة أكثر أمناً.

لكن التجربة اللبنانية الأخيرة أضعفت هذا الفصل.

فقد سجلت منظمة الصحة العالمية إغلاق مستشفيات وتضرر منشآت صحية ومراكز رعاية أولية، وأشارت تقاريرها إلى أن استمرار العنف أدى إلى تقليص القدرة على توفير خدمات أساسية، بما فيها الرعاية الطارئة والأمومة والأمراض المزمنة.

وفي إحدى مراحل التصعيد، سجلت بعض المستشفيات العامة ارتفاعاً كبيراً في أعداد المرضى، مع وصول نسب الإشغال إلى مستويات مرتفعة، في وقت كانت فيه منشآت أخرى متضررة أو خارجة من الخدمة.

هذه المعادلة تضاعف الضغط على المنشآت التي تبقى عاملة.

كل مستشفى يغلق لا يحذف المرضى من النظام؛ بل ينقلهم إلى مستشفى آخر.

مريض القلب لا ينتظر وقف إطلاق النار

الضحايا غير المباشرين للحرب هم الأصعب في الإحصاء.

مريض غسيل الكلى يحتاج إلى جلسته في موعدها.

مريض السكري يحتاج إلى الأنسولين.

مريض السرطان يحتاج إلى العلاج.

الحامل قد تحتاج إلى مستشفى خلال ساعات، لا عندما يصبح الطريق آمناً بعد يومين.

ومنظمة الصحة العالمية تحذر من أن النزاعات الحالية في المنطقة تجعل الوصول إلى الرعاية أكثر صعوبة بالنسبة إلى المصابين والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة ويحتاجون إلى علاجات مستمرة مثل غسيل الكلى والإنسولين.

لهذا يمكن أن ترتفع الكلفة الصحية للحرب حتى في أيام لا تسجل فيها غارة حصيلة كبيرة.

تعطيل دواء، أو إغلاق طريق، أو توقف مركز صحي، قد ينتج عنه ضرر لا يظهر أبداً في جدول ضحايا القصف.

الأطفال يحملون الحرب بعد انتهاء صوت الانفجار

وجود الأطفال بين قتلى وجرحى كفررمان يفتح جانباً آخر من الأزمة.

فالطفل الذي ينجو جسدياً لا يخرج بالضرورة من الحدث من دون إصابة.

الخوف المتكرر، فقدان الأقارب، النزوح، النوم على صوت الطائرات والانفجارات، وتكرار الانتقال بين المنازل والملاجئ يمكن أن يترك آثاراً نفسية طويلة.

وفي مايو، حذرت اليونيسف من أن استمرار العنف والنزوح يعرض أكثر من 770 ألف طفل في لبنان لخطر اضطرابات نفسية مزمنة، مع تزايد تعرض الأطفال لأحداث صادمة وفقدان الشعور بالأمان.

وبعد أكثر من مئة يوم من التصعيد، قالت المنظمة إن أطفالاً كثيرين اضطروا للنزوح مرات عدة وشهدوا أعمال عنف وفقدوا أفراداً من أسرهم أو منازلهم ومدارسهم، مؤكدة أن الأرقام وحدها لا تعكس الحجم الكامل للأزمة.

ANALYSIS: هنا تصبح الحصيلة الصحية أوسع بكثير من الجرح الظاهر. اضطرابات النوم، نوبات الخوف، صعوبة التركيز، الانقطاع المدرسي وفقدان الإحساس بالأمان يمكن أن ترافق الطفل بعد أن تختفي آثار الركام من الشارع.

النزوح نفسه حالة صحية

ترك المنزل هرباً من القصف قد ينقذ حياة، لكنه يخلق احتياجات صحية جديدة.

العائلة النازحة قد تفقد طبيبها المعتاد وصيدليتها وملفها الطبي، وقد يجد كبار السن أنفسهم بعيدين عن العلاج، بينما تواجه الحوامل والأطفال ظروفاً أكثر صعوبة في الملاجئ أو المنازل المكتظة.

وتشير اليونيسف إلى أن التصعيد منذ مارس أدى إلى نزوح واسع شمل مئات آلاف الأطفال، فيما تحتاج أعداد كبيرة منهم ومن مقدمي الرعاية إلى خدمات نفسية واجتماعية.

وهكذا يمكن أن تنتقل الإصابة الصحية من مكان الغارة إلى عشرات الكيلومترات بعيداً عنها.

الأرقام تقول جزءاً من القصة فقط

FACT: ضربات كفررمان أوقعت قتلى وجرحى بينهم أطفال، وقتلت مسعفاً في ضربة منفصلة، وفق وزارة الصحة اللبنانية وتحديثات لاحقة نقلتها رويترز.

FACT: الرعاية الصحية في لبنان تعرضت خلال التصعيد الحالي لسلسلة من الهجمات التي أوقعت قتلى وجرحى وألحقت أضراراً بمراكز إسعاف ومستشفيات ومركبات إنقاذ.

FACT: منظمة الصحة العالمية تؤكد أن استمرار الهجمات على الخدمات الصحية يعطل الوصول إلى الرعاية، خصوصاً للمصابين ومرضى الأمراض المزمنة.

FACT: اليونيسف تحذر من آثار نفسية متزايدة على الأطفال نتيجة العنف والنزوح المتكرر.

ANALYSIS: لذلك لا يمكن قياس العبء الصحي للحرب بعدد من يصلون إلى لوائح القتلى والجرحى فقط. جزء من الضرر يظهر لاحقاً في العلاج المتأخر، والأمراض المزمنة، والإعاقة، والصدمات النفسية، وتعطل الخدمات الطبية.

حين يصبح المنقذ نفسه بحاجة إلى الإنقاذ

ما حدث في كفررمان يعيد القضية الصحية إلى جوهرها البسيط.

المدني المصاب يحتاج إلى دقائق، لا إلى بيانات.

والمسعف يحتاج إلى طريق يستطيع دخوله من دون أن يتحول هو نفسه إلى هدف.

والمستشفى يحتاج إلى كهرباء ودواء ودم وكادر قادر على الاستمرار.

والطفل يحتاج، بعد أن ينجو، إلى مكان يستطيع أن ينام فيه من دون انتظار صوت الانفجار التالي.

الصحة في الحرب ليست مبنى يحمل كلمة «مستشفى». إنها سلسلة كاملة تبدأ من لحظة الإصابة وتنتهي عندما يستطيع الإنسان استعادة حياته.

وعندما تُضرب حلقة من هذه السلسلة ــ المسعف أو السيارة أو الطريق أو المستشفى ــ لا يدفع الثمن المصاب الموجود أمام الكاميرا وحده.

يدفعه أيضاً المصاب الذي سيأتي بعده.

ولهذا فإن مقتل مسعف في كفررمان ليس رقماً إضافياً في حصيلة يوم دامٍ؛ إنه فقدان لجزء من شبكة الأمان التي يعتمد عليها مجتمع كامل عندما تقع الضربة التالية.

مقتل مسعف في كفررمان وكلفة صحية أوسع للمدنيين في جنوب لبنان

artistpressrelease.com — مقتل مسعف في كفررمان وكلفة صحية أوسع للمدنيين في جنوب لبنان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى